الشيخ محمد الصادقي الطهراني
159
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
الحجة فإعذاراً للمعتذرين وحجةً للناس على اللَّه رب العالمين ، فإنهم : « رسلًا مبشرين ومنذرين لئلًا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل وكان اللَّه عزيزاً حكيماً » « 1 » فلا بد من حجة رسولية أو رسالية بين المكلفين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة . والجواب أن « فترة من الرسل » لا تعني خلواً من حجج الرسالات فإن صيغتها « فترة من الرسالات » دون « الرسل » فلا تعني « فترة من الرسل » إلا فترة من إبتعاث الرسل وحججهم باقية ، مهما صعب الوصول إليها للتحريف ، والتجديف في كتابات الرسل ، والمؤمنون الصالحون علماءَ وسواهم يهتدون بهدي اللَّه إلى الوحي الأصيل كيفما كان التحريف . فما مثل العائشين في « فترة من الرسل » إلا كمثل العائشين بعد خاتم الرسل صلى الله عليه وآله إلى يوم الدين ، والفارق ليس في أصل الحجة المحلقة على كل الأدوار ، إنما هو في وضوح المحجة للوصول إلى الحجة في الأخرين ، وصعوبتها في الأولين وسهولتها في الآخرين . فالناقد البصير زمن الفترة الرسولية بإمكانه التخلص عن كل دخيل دجيل وإن صعب ، فأفضل الأعمال أحمزها ، ثم المتخلف عن شرعة اللَّه في هذه الفترة ليس ليحاسب كما المختلف عنها في زمن الرسل أو الرسالة الباهرة بحججها . ذلك ، فقد كان الطريق للوصول إلى حجة الوحي مفتوحاً زمن الفترة للذين يتطرقون إليه ، ولا سيما وأن الراسخين في العلم من أهل الكتاب يعلمون الأصيل من وحي الكتباب عن الدخيل : « لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك . . . » « 2 » فالعوام منهم المهتدون المؤمنون عليهم الاقتداء بهؤلاء الراسخين في العلم منهم ، ثم العوام الآخرون مصيرهم مصير هؤلاء الذين يحرفون الكتاب أم هم راضون ، إذاً فالحجة الرسالية لم تفتر في زمن الفترة الرسولية ، وإحدى الحجتين كافية لقطع العذر ، ولكن الرحمة تقتضي ألا يكتفى في الحجة البالغة بما هي غارقة في لجة التحريف ، فليزل بعد هذه المحرفات كتاب يبقى وحياً أصيلًا دون أي دخيل ، مناراً
--> ( 1 ) . 4 : 165 ( 2 ) . 4 : 162